الحلبي

27

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أحدا أكل لقمة ورمى لقمة إلى صخرة ينصبها بين يديه أنفة من أن يأكل وحده . ومما يؤثر عنه : رب صورة تخالف المخبرة ، قد غرت بجمالها ، واختبر قبح فعالها فاحذر الصور واطلب الخبر ( وكنانة بن خزيمة بن مدركة ) ومدركة اسمه عمرو ، وقيل له مدركة لأنه أدرك كل عز وفخر كان في آبائه ، وكان فيه نور رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي ولعل المراد ظهوره فيه ( ومدركة بن إلياس ) بهمزة قطع مكسورة ، وقيل مفتوحة أيضا ، وقيل همزة وصل . ونسب للجمهور ، قيل سمي بذلك ، لأن أباه مضر كان قد كبر سنه ولم يولد له ولد فولد له هذا الولد فسماه إلياس ، وعظم أمره عند العرب حتى كانت تدعوه بكبير قومه وسيد عشيرته ، وكانت لا تقضي أمرا دونه . وهو أول من أهدى البدن إلى البيت ، وأول من ظفر بمقام إبراهيم لما غرق البيت في زمن نوح عليه السلام فوضعه في زاوية البيت كذا في حياة الحيوان فليتأمل ، وجاء في حديث « لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا » وقيل إنه جماع قريش : أي فلا يقال لأولاد من فوقه قرشي . وكان إلياس يسمع من صلبه تلبية النبي صلى اللّه عليه وسلم المعروفة في الحج . قيل وكان في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه . وهو أول من مات بعلة السل ، ولما مات حزنت عليه زوجته خندف حزنا شديدا ، لم يظلها سقف بعد موته حتى ماتت . ومن ثم قيل : أحزن من خندف ( وإلياس بن مضر ) قيل هو جماع قريش فلا يقال لأولاد من فوق مضر قرشي . ففي جماع قريش خمسة أقوال : قيل قصي ، وقيل فهر ، وقيل النضر ، وقيل إلياس ، وقيل مضر ، ويقال له مضر الحمراء ، قيل لأنه لما اقتسم هو وأخوه ربيعة مال والدهما أعني نزارا أخذ مضر الذهب فقيل له مضر الحمراء ، وأخذ ربيعة الخيل ومن ثم قيل له ربيعة الفرس . وجاء في حديث « لا تسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مؤمنين » أي وفي رواية « لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم » وفي حديث ، غريب « لا تسبوا مضر فإنه كان على دين إسماعيل » . ومما حفظ عنه : من يزرع شرا يحصد ندامة . أقول : سيأتي في بنيان قريش الكعبة أنهم وجدوا فيها كتبا بالسريانية من جملتها كتاب فيه : من يزرع خيرا يحصد غبطة ، ومن يزرع شرا يحصد ندامة ، إلى آخر ما يأتي . وعن أبي عبيدة البكري أن قبر مضر بالروحاء يزار ، والروحاء على ليلتين من المدينة واللّه أعلم . وكان مضر من أحسن الناس صوتا ، وهو أول من حدا للإبل ، فإنه وقع فانكسرت يده فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من المرعى ، فلما صح وركب حدا . وقيل أول من سن الحداء للإبل عبد له ضرب مضر يده ضربا وجيعا فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من مرعاها : أي لأن الحداء مما ينشط الإبل لا سيما إن كان بصوت حسن ، فإنها عند سماعه تمد أعناقها وتصغي إلى